” رسالتي إلى كل مبتعث ”
بعث الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله برسالة جميلة إلى أخيه عبدالغني الطنطاوي الذي شارك في مسابقة البعثة و كان الوحيد الذي استحق البعثة من بين عدد كبير من المترشحين , عمر الرسالة يصل ما يقارب 73 سنة , الجميل في الموضوع جمال اسلوب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حيث أن الرسالة مناسبة جداً لإعادة ارسالها في عامنا هذا 2010 ,
******
أخذت مقتطفات من الرسالة لأهديها لكل مسلم ابتعد عن وطنه و أهله ليخدم أمته و يكون سبباً في رفع حضارتها , حيث أن حضارة و ثقافة الأمم لا تقاس الا بالعلم .. (F) ~
*******
” ثم إنك سترى مدينة كبيرة , و شوارع وميادين , و مصانع و عمارات ..
فلا يهولنك ما ترى , ولا تحقر حياله نفسك وبلدك كما يفعل أكثر من عرفنا من رواد باريس .. و اعلم أنها إن تكن عظيمة , وإن يكن أهلها متمدنين , فلا أنت من أواسط أفريقيه ولا أهلك من بلد التٌبت „
و إنما أنت ابن المجد والحضارة , ابن الأساتذة الذين علموا هؤلاء القوم و جعلوهم ناساً , ابن الأمة التي لو حذف اسمها في التاريخ لآض تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضا لا شيء فيها, إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدون التاريخ تاريخه سواهم .. فمن هؤلاء الذين ترى ؟ إنما هم أطفال أبناء أربعة قرون , و لكن أمتك بنت الدهر , لما ولد الدهر كانت شابة , و ستكون شابة حين يموت الدهر .
لا , لا أفخر بالعظام البالية , ولا أعتز بالأيام الخالية , و لكن أذكره لك لأهز فيك نفسك العربية المسلمة , لأستصرخ في دمك قوى الأجداد التي قتلت و أحيت , و هدمت و بنت و علمت , و استاقت الدهر من زمامه , فانقاد لها طيعاً .. إن هذه القوى الكامنة في عروقك , نائمة في دمك , فليفر هذا الدم و ليثر و يضطرم لتظهر ثانية و تعمل عملها ..
لا تقل : ماذا يصنع طالب مثلي ضعيف في أمة قوية ,
فإن الأندلس المسلمة كانت بالنسبة لعصرها أقوى , و كان روادها من طلاب الفرنجة أضعف , و لكنهم استطاعوا على ضعفهم أن يصنعوا ( هذه القوة ) التي تعجب بها أنت , و يذوب فيها غيرك .. إن الدهر يا أخي دولاب , و الأيام دول ..
وإن في الشرق أدمغة , و في الشرق سواعد , و في الشرق مال , و لكن ينقص الشرق “العلم ” فاحمله إليه أنت وأصحابك , و عودوا إلى الشرق شرقيين معتزين بشرقيتهم الخيرة العادلة , كما يعتر الغربيون بغربيتهم الظالمة الطاغية
و اعلمو أن مهمتكم ليس ورقة تنالونها , قد تنالونها بالغش و الاستجداء و السرقة ..
و لكن مهمتكم أمة تحيونها ..
يا أخي , إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم و أوضاعهم في معايشهم و تجارتهم وصناعتهم و مدارسهم , و ابحث عن اخلاقهم و معتقداتهم , على أن تنظر بعين الناقد العاقل الذي يدون الحسنة لنتعلمها , و السيئة لنتجنبها , و لا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريز من أبناء العرب , فلم يروا إلا المحاسن و لمزايا , و لا تكن كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب, فلم يبصروا إلا المخازي و العيوب , ولكن كن عادلاً صادقاً أميناً ..
وإياك و هذه الحماقة التي يرتكبها بعض الكتاب من الفرنجة حين يهرفون بما لا يعرفون , و يقولون ما لا يعلمون , كهذا الأخرق الصفيق الذي كتب أطروحة موضوعها (الحج ) قدمها إلى جامعة كبرى و هو يجهل العربية , ولا يعرف أي كتاب من كتب المسلمين في الحج ..
وبعد يا أخي, فاعلم أن أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الإيمان , فاعرف قدرها , و احمد الله عليها و كن مع الله ترى الله معك , و راقب الله دائماَ , واذكر أنه مطلع عليك يعصمك من الناس و يعذك من الشيطان , و يوفقك إلى الخير ..
و في اللحظة التي تشعر فيها أن دينك و أخلاقك في خطر , احزم أمتعتك , و عد إلى بلدك, و انفض يدك من العلم إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين و الأخلاق ..
أستودع الله نفسك و دينك و أخلاقك , و السلام عليك و رحمة الله و بركاته ”
***************************
* من أخبار عبدالغني الطنطاوي :
عاد ليكون أول دكتور في الرياضيات في الشام كلها ,
ثم اصبح أستاذاً في كلية العلوم بجامعة سوريا ..